المحقق الداماد
50
المحاضرات ( مباحث اصول الفقه )
ذكرنا ورود التكاليف على هذه العناوين مثل الدين والزوجية ونحوهما ، فيقال : يحل لك وطء الزوجة أو يجب عليك رد الدين ونحو ذلك . بقي الكلام في مثل السببية والشرطية لنفس التكاليف ، والتحقيق امكان تعلق الجعل بها أيضا استقلالا ، وتوضيح ذلك يستدعى رسم مقدمة وهي ان نفس التكاليف التي لا يكاد يشك أحد في امكان تعلق الجعل بها مستقلا هل المراد منها الإرادة أو الكراهة الموجودة في نفس المكلف بالكسر ؟ لا اشكال في انه لو كان المراد منها ذلك لم يصح جعلها لا استقلالا ولا تبعا ، لان الإرادة أو الكراهة الموجودة في النفس امر واقعي تكويني لا تناله يد الجعل التشريعي أصلا ، ولا يخفى ذلك على من راجع وجدانه فيجد نفسه مريدا لهذا مكرها لذاك وهذا الامر الحاصل في نفس المريد والمكره سواء كان تابعا للمصالح أو المفاسد المستدعية لها أولا كان حصوله بيد التكوين بحيث لولاه لما يكاد يحصل ولو فرض ان المولى انشاه الف مرة . وبالجملة فما يصل اليه يد التشريع ليس الإرادة والكراهة بل هو الأمر الاعتباري الذي يوجد بالاعتبار ولا يوجد بعدمه ، وهو الذي يعبر عنه تارة بالوجوب الاعتباري وأخرى بالحرمة الاعتبارية . والحاصل ان للاحكام الخمسة التكليفية فردان : أحدهما ما كان اعتبارا محضا ليس ما بإزائه في الخارج شيء آخر ، نعم انشاء هذا الأمر الاعتباري من حيث كونه فعلا صادرا من الحكيم يكشف عن وجود الإرادة والكراهة في نفسه لعدم صدور فعل اختياري من الحكيم الا لغرض ، وظاهر هذا الفعل كون الغرض وجود الإرادة والكراهة في نفسه . الثاني ما كان امرا واقعيا حاصلا في نفس المولى الذي لأجله يبعث ويزجر ، وما يعقل التشريع فيه هو المعنى الأول لا الثاني . إذا عرفت ذلك نقول : بعد ما كان نفس التكليف المنشأ امرا اعتباريا لم لا يصح اعتبار امر آخر سببا له ، فكما كان هو اعتبارا محضا كان سببية السبب له أيضا كذلك . ولعل ما أوجب الاشتباه في المقام توهم ان مورد البحث هو السببية الحقيقة للتكاليف الحقيقية غفلة عن أن مثل هذه التكاليف مما لا يصل اليه الجعل التشريعي بنفسها فضلا عن سببية أسبابها ، وعليك بالتدبر التام فان المقام من مزالّ الاقدام ، وينبغي التنبيه على أمور :